محمد عبد العزيز الخولي
149
الأدب النبوي
الصدق ، وقد بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه يهدي إلى البر ، ويرشد إلى التوسع في الخير ، ذلك أنه منبت الفضائل ، وجذع شجرتها ، ومتفرع غصونها . وهل الإيمان باللّه . والتصديق برسله ووحيه . إلا شعبة من الصدق ؛ فالصادق موفق للخيرات ، مقيم للمبرات « 1 » ، والبر طريق الجنة ، بل مفتاحها الذي لا تفتح بغيره : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ . عَلَى الْأَرائِكِ - الأسرة - يَنْظُرُونَ . تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ - بهجة ورونقه - يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ - شراب خالص - مَخْتُومٍ . خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ « 2 » . وقد بين لنا الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الحديث مسألة من أهم مسائل الأخلاق وهي طريقة تربية الخلق وتكوينه . وتقويته في النفس وتثبيته . وجعله في صف الطبائع . ذلك أن يتحرى الإنسان القول الجميل . أو الصنع المجيد ، ويعمله المرة بعد المرة ، والرابعة تلو الثالثة ، والسادسة بعد الخامسة ، حتى يؤثر في نفسه أثرا ، ويتخذ منها مجرى ، يزداد تعمقا كلما تابع العمل . فإذا بذلك الأثر الخلق والفضيلة ، التي تصدر عنها الأعمال الطيبة بسهولة ، فمن رغب أن يكون الصدق شيمته « 3 » وخلقه ، وديدنه وطبعه ، فليتحر الصدق في أقواله وأعماله . وليتابع ذلك ، فإذا بالصدق خلقه ، وإذا به الصدّيق . ومن رغب أن يكون الشجاع المقدام ، والبطل المغوار « 4 » ، فليخض غمار « 5 » الشدائد كلما دعته ، وليناضل الخطوب « 6 » كلما داهمته ، فإذا بالشجاعة خلقه . ومن أراد نفسه على الكرم فليبذل من ماله كلما أهاب به داعي الإحسان فإذا به الجواد الكريم . ومعنى كتابة اللّه من تحري الصدق وتعوده صديقا ضبط ذلك في سجله وحسابه في زمرة الصديقين . وإعلان ذلك في الملأ الأعلى . فرحا به . ورفعا لذكره والوحي إلى قلوب العباد بذلك ليحترموه ويجلوه . ويوقّروه ويكبروه .
--> ( 1 ) للمبرات : برّ فلان ربه : توسع في طاعته فهو بار . ( 2 ) سورة المطففين ، الآيات : 22 - 26 . ( 3 ) شميته : الشّمية : الخلق ج شيم . ( 4 ) المغوار : من الرجال : المقاتل الكثير الغارات على أعدائه . ( 5 ) غمار : ج الغمرة : الشدة . ( 6 ) الخطوب : ج الخطب : الأمر الشديد يكثر فيه التخاطب .